الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
281
نفحات الولاية
نموذجها العملي في الميدان ؛ الأمر الذي يؤكد خواء هذه النزعات وإقتصارها على الجوانب النظرية ، لقد تناسى أصحاب هذه النظريات أنّ وظيفة الدولة والحكومة - ولو سلنا لما ذكروه - لا تقتصر على حفظ المصالح الطبقية ، بل هنا لك سلسلة من البرامج الاجتماعية والمشاريع والمخططات المرتبطة بكافة الأفراد في جميع المجالات والتي تنهض بعبئها الدولة . فالتربية والتعليم ضرورية لجميع الطبقات ، فهل يمكن القيام بهذه الوظيفة دون برمجة واختيار من ينهض بمسؤولية هذا العمل ؟ الأمور الاقتصادية في المجتمع في القطاع الزراعي والصناعي والتجاري والتي يتطلب كل حقل منها تخطيط شامل وكامل وتحتاج إلى إدارة صحيحة ووزير ، قطاع الصحة المرتبط بكافة أبناء الشعب والذي يحتاج بدوره إلى مشاريع وبرامج تخصصية وإشراف تام ، فهل يمكن قيام مثل هذه الأمور في حالة غياب الدولة ناهيك عن النزاعات والخصومات والحاجة إلى البت في الدعاوى من قبيل الجهاز القضائي والمحاكم ، وكل هذه الأمور هي الأخرى لا تحقق إلّافي ظل تشكيل الحكومة ، والتي تتقوم برئيس الوزراء أو رئيس الجمهورية وما شابه ذلك . ومن هنا كانت الأمم والشعوب رغم اختلاف أفكارها وعقائدها ، إلّاأنّها تتبنى نوعاً من أنواع الحكومة . وهذا هو الأمر الذي أشار إليه الإمام عليه السلام في الخطبة كما تطرق إلى ذكر الوظائف الملقاة على عاتق الحاكم ، كما قال في موضع آخر بهذا الشأن « سلطان ظلوم خير من فتنة تدوم » « 1 » حيث أشرنا سابقاً إلى أنّ الحكومات مهما كانت ظالمة متجبرة الا أنّها تسعى لأن تراعي جانب الأمن والعدل وما إلى ذلك ، مع العلم أنّها قد تظلم إلّاأنّها على الأقل لا تدع الآخرين يمارسون الظلم ، فالحكومة عادلة كانت أم ظالمة لن تدوم في ظل الفوضى والاضطراب ، وأنّها تؤول لا محالة إلى السقوط الانهيار ، ومن هنا فانّ كافة الحكومات تسعى للحيولة دون الهرج والمرج وتقدم مشاريعها من أجل البناء والعمران ، ولعل هذا المعنى يتجسد في ما أشار إليه الحديث المعروف « الملك يبقى مع الكفر ولا يبقى مع الظلم » .
--> ( 1 ) ميزان الحكمة 1 / 98 .